المعرفة تحت الركام
تستوقفنا الحروب بأصوات ضجيجها، ومشاهد دمارها، والدماء التي تسيل على أرضها، فنراها أعظم المآسي التي قد تصيب أمة من الأمم. غير أن هناك عدواً خفياً، يتحرك في الصمت، ويهدم دون أن يحدث دوياً، ولكنه يترك خلفه خراباً تتوارثه الأجيال؛ إنه الجهل، وقلة المعرفة، والانسياق الأعمى خلف موروثات فكرية قاصرة. فالأبنية والتجهيزات التي تدمرها المدفعية يمكن إعادة إعمارها في سنوات، أما العقول التي يجرفها الجهل وتوارث الفكر السطحي، فإن ترميمها قد يستغرق قروناً.
الحروب تهدم البنيان، لكن الجهل وتوارث الفكر السطحي يهدمان الروح والمجتمعات من جذورها. وحين ندرك هذه الحقيقة، يصبح التعليم والوعي خط الدفاع الأول والأخير لحماية الإنسان وكرامته. من هنا لم يعد بناء المدارس ونشر الكتب رفاهية فكرية أو نشاطاً جانباً يُؤجَّل إلى وقت الرخاء، بل هو طوق نجاة واستراتيجية بقاء يجب أن تمتد حتى من تحت الركام، وفي أشد الظروف الإقليمية قسوة وتركيباً.
إن تاريخ الحضارات يعلمنا أن الشغف بالتعلم والقراءة لم يكن يوماً مرهوناً بالظروف المثالية. ففي أوقات الأزمات والنزاعات، يغدو الكتاب ملاذاً، والورقة سلاحاً، والتعلم فعلاً من أفعال المقاومة والتمسك بالحياة. فلا يوجد ما يمنع الإنسان الساعي نحو النور من النهل من ينابيع الثقافة والتفكر في كافة المجالات، لأن الوعي هو القوة الوحيدة التي لا تستطيع أي قوة غاشمة انتزاعها منه.
وفي نهاية المطاف، يبقى الإدراك الإنساني مهما اتسع محدوداً أمام سعة الوجود. إن بحر المعرفة شاسع ومترامٍ، وكل ما ندركه منه لا يكاد يبلغ 1% من عمقه الحقيقي. هذه التواضع المعرفي هو ما يدفع الأمم الحية إلى الاستمرار في البحث، والتعلم، والعبور فوق الركام لبناء المستقبل؛ فبالمعرفة وحدها تتجاوز المجتمعات كبواتها، وبها يُصان الإنسان وتُبنى الحضارات.
قد يمحو الدُّخان معالم المدن، لكنه يعجز عن طمس الحقيقة المتجذرة في قلب السطور. إن حربنا الحقيقية لم تكن يوماً ضد الأنقاض، بل ضد الجهل الذي يسبقها ويرعاها. وكما أن بحر المعرفة لا حافة لعمقه، فإن شغف الإنسان بالإدراك لا حد لسقفه. ستظل المدارس تُبنى، والكتب تُقرأ، والعقول تتفتح؛ لأنه ما دام هناك حبرٌ يُسكب وعقلٌ يقرأ، فستبقى المعرفة هي النور الذي لا يستطيع أي ركامٍ في العالم أن يطفئه.
تعبّر هذه المقالة عن رأي كاتبها ولا تمثّل بالضرورة رأي دار فهرس.

التعليقات
لا تعليقات بعد.
شارك برأيك وعلّق من تطبيق فهرس.