الحكمة الإلهية بين رحمة الله واختبار البشر
إن الله سبحانه وتعالى هو أعدل العادلين وأرحم الراحمين، وله تسعة وتسعون اسمًا تُعبر عن كمال صفاته وجلاله؛ فتتجلى رحمته وعدله بدءاً من اسم الرحمن وصولاً إلى اسم الصبور (أو الوارث).
وقد يتساءل الكثيرون: إذا كان الله أرحم وأعدل الحاكمين، فلماذا تقع الحروب، وينتشر الجوع، ويتفشى الظلم والقتل في هذا العالم؟
والجواب يكمن في الحكمة الإلهية البالغة من خلق هذه الحياة:
الدنيا دار اختبار وتمحيص: لم يخلق الله الدنيا لتكون دار نعيم دائم أو جزاء كامل، بل جعلها مرحلة اختيار وابتلاء ليتمايز بها البشر، وليظهر الصادق من المنافق، والمحسن من المسيء.
حرية الإرادة والمسؤولية: منح الله الإنسان حرية الاختيار والعقل، والشرور التي نراها من ظلم وقتل هي نتيجة لسوء استخدام الإنسان لهذه الحرية التي حذّر الله منها.
الآخرة دار الحساب والعدل المطلق: تنتهي مرحلة الاختيار بانتهاء العمر، لتكون الآخرة هي دار الجزاء والحساب المطلق؛ حيث يُردّ الحق إلى أهله، ولا يظلم ربك أحداً.
وقد بيّن الله سبحانه هذه الحقيقة في آيات كثيرة من كتابه العزيز، كقوله تعالى:
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾
الله سبحانه وتعالى هو أعدل العادلين وأرحم الراحمين، وهو السميع البصير الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. ورؤيته عز وجل لما يجري في عالمنا اليوم ليست كرؤية البشر المحدودة؛ فهو سبحانه يبصر الأحداث باحاطة شاملة وعلم تام، يرى ألم المظلوم، وجوع الجائع، وتجبر الظالم، ويعلم السر وأخفى.
ولا يعني إمهاله للظلمة أنه غافل عما يفعلون، بل يرى سبحانه ما يحدث في إطار الحكمة الإلهية الكبرى من خلق هذه الحياة:
رؤية التمييز والابتلاء: يرى سبحانه كيف يتصرف العباد تحت أوقات الشدة والرخاء، ليتمايز الصادق في إيمانه من المنافق، والمحسن الذي يسعى للخير من المسيء الذي يزرع الفساد.
رؤية اللطف والرحمة: يعلم سبحانه مرارة الابتلاء، فيكتب للأنفس المصابرة رفعة الدرجات وعظيم أجر الصابرين الذي لا يُقاس بموازين الدنيا.
رؤية العدل المؤجل: يمهل الظالمين ليقيم عليهم الحجة التامة، ليكون الحساب والعدل المطلق في دار القرار، حيث تُردّ الحقوق إلى أصحابها كاملة غير منقوصة.
فالدنيا في ميزان الله مرحلة اختيار معبرة، وما يراه الإنسان اليوم من آلام هو جزء من مشهد مؤقت، تتجلى حقيقته وعدله الكامل في الآخرة، كما قال تعالى:
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾
تعبّر هذه المقالة عن رأي كاتبها ولا تمثّل بالضرورة رأي دار فهرس.

التعليقات
لا تعليقات بعد.
شارك برأيك وعلّق من تطبيق فهرس.