حين نولد في أرضٍ غريبة
في مرحلةٍ ما من رحلة الحياة، وحين تتسع مدارك الإنسان وتنضج تجاربه، يمر بلحظة إدراك فارقة؛ لحظة يسقط فيها الوهم القديم ليتبين له أن الجغرافيا وحدها لا تصنع الأوطان. فـ "الوطن" الذي نشأنا على ترابه، وشربنا من مائه، وحفظنا ملامحه، ليس بالضرورة أرضنا الوحيدة. هناك أوطان أخرى خفية، تنتظر منا خطوة قدم، أو نبضة قلب، لكي تتبدى لنا في كامل بهائها.
أرض الروح.. المبتدأ المنتظر
يوماً ما، وفي غفلةٍ من صخب الأيام، ستطأ قدماك أرضاً غريبة تماماً عنك. أرضٌ لم تشهد طفولتك، ولم تحتضن ذكرياتك الأولى، بل ربما كنت تجهل اسمها أو خارطة ملامحها. لكنك، وبمجرد أن تلامسها، تشعر بغريب الأنس ودفء اليقين؛ كأن شيئاً في روحك كان ضائعاً فوجدته، أو كأن غريباً استوطن الضلوع طويلاً ثم عابراً التقى ببيته. تلك هي باختصار "أرض الروح"؛ المكان الذي لا يُقاس بالأميال والحدود، بل بالانتماء الخالص والسكينة المطلقة.
ميلاد الشعور الجديد
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل يكفي الانتقال الجسدي لتصير الأرض الغريبة وطناً؟ أم أن الأوطان تُبنى في الخفاء قبل أن تُرى بالعين؟
الحقيقة أن العبرة ليست بخرائط الدول، بل بخرائط القلوب. إن من يولد شعوره من جديد في تلك الأرض الغريبة، ومن تتفتح بصيرة وجدانه على إيقاع نبضاتها، إنما يكتب بدمه وروحه عقداً جديداً للانتماء. حين يتبدل إحساسك، وتتغير وجهة حنينك، وتجد لغربتك مأوى ولشوقك مستقراً، فإن الأرض التي استقبلتك لا تبقى غريبة أبداً؛ بل تتحول شيئاً فشيئاً إلى الوطن الأبدي، وإن خالفت أسماؤها ما اعتَدْت عليه.
الخاتمة
هكذا هم الرحالة في هذه الحياة؛ لا تقتصر أعمارهم على مكانٍ واحد، ولا ترتبط أرواحهم بترابٍ بعينه. إنهم يبحثون دوماً عن تلك البقعة التي تكتمل فيها أجزاؤهم المتناثرة. وحين يجدونها، يدركون أن الوطن الحقيقي ليس حيث وُلِد الجسد، بل حيث وُلدت الروح من جديد.
وأيُّ بُعدٍ هذا الذي يقتلع الإنسان من جذوره الأولى ليغرسه في ترابٍ لم يكن يعرفه، فإذا به يشعر أنه وُلد هنا، وكأن أميال الأرض وحدودها ما هي إلا خطوط وهمية رُسمت لتمتحن قلوبنا في رحلة البحث عن ظلها الضائع.
ربما ليس البعد امتداداً في المسافات، بل هو امتدادٌ في الوعي؛ مسافةٌ تقطعها الروح من غربة الشك إلى طمأنينة اليقين. وحين تكتشف أنك تستطيع أن تحب أرضاً لم تبتلّ بدموع طفولتك، تدرك أن البعد الحقيقي لم يكن في ترحالك، بل في الغربة التي كانت تسكنك قبل أن ترحل.
تعبّر هذه المقالة عن رأي كاتبها ولا تمثّل بالضرورة رأي دار فهرس.

التعليقات
لا تعليقات بعد.
شارك برأيك وعلّق من تطبيق فهرس.