مقهى الخريف (في أكتوبر التقينا)

دخلتُ المقهى وأنا أحتضن كتابي
كانت الأمطار الخفيفة قد بللت وشاحي الذي وضعته فوق شعري كي لا يبتل، فتوجهتُ مباشرة إلى الكرسي القريب من المدفأة.
كان الجو خريفيًا دافئًا وجميلًا، لكنني كنت بحاجة إلى أن أجفف ملابسي قليلًا.
تقدم النادل نحوي، يحمل بيده منديلًا، وناولني إياه مبتسمًا:
— ستمرضين هكذا يا آنسة ليلى.
ابتسمتُ له وقلت:
— كيف حالك يا حازم؟
ابتسم وقال:
— بخير يا آنسة ليلى.
ثم سألني:
— هل أحضر لكِ اليوم شاي الأعشاب الدافئ قبل قهوتك؟
ابتسمتُ وقلت:
— لا مانع، أشكرك.
أمسكتُ كتابي وبدأت أمسح قطرات المطر عنه، خشية أن يتلفه، لكنها لم تكن سوى قطرات قليلة استقرت على غلافه. حمدتُ الله على ذلك.
فتحتُ كتابي وبدأت أقرأ بهدوء، بينما كانت أصوات المطر الخفيف تتسلل من خلف زجاج النوافذ، وتمتزج بموسيقى المقهى.
بعد عدة دقائق، عاد النادل يحمل فنجان الشاي. شكرته، ثم ابتعد عني.
التفتُّ إلى كتابي، وبدأت أقرأ من جديد، لكنني توقفت فجأة عند مقطوعة موسيقية.
مقطوعة واحدة…
لكنها كانت كافية لتزلزل كياني بالكامل.
انهمرت دموعي دون أن أشعر، وبللت قطراتها صفحات كتابي.
وفجأة، شعرت بأحدهم يقترب مني. مد يده إلى فنجان الشاي، ووضع فيه ملعقة صغيرة من السكر.
ثم تنهد وقال:
— ما زلتِ تشربين الشاي هكذا، أليس كذلك؟
سكت لحظة، ثم أضاف:
— سكر خفيف.
ارتعشت أطرافي عندما رأيته يقف أمامي.
بعد فراق دام ثلاثة أعوام.
لم تتغير ملامحه كثيرًا، وما زالت تحمل ذلك الوجه الذي عرفته وأحببته منذ طفولتي، إلا أنني رأيت فيها هذه المرة شيئًا لم أعهده من قبل… حدةً وقسوةً أخفتهما السنوات.
سحب كرسيًا وجلس بجانبي، ثم قال:
— أما آن لكِ أن تتكلمي؟
نظرتُ إليه دون أن أستطيع النطق.
تابع، وصوته يختلط بالغضب والخذلان:
— لماذا تبكين على مقطوعتنا المفضلة؟ لماذا تأتين إلى هذا المقهى منذ ثلاثة أعوام ولم تذهبي إلى غيره؟ أليس هذا مقهانا المفضل؟ مقهى الحب الذي جمعنا؟
سكت قليلًا، ثم قال:
— لماذا الهجر إذًا؟ انتظرت تفسيرك طويلًا، لكنك لم تأتي. أتيتُ إليكِ مرارًا وتكرارًا، ولم أجد إجابة واحدة لسؤالي. كم أنتِ قاسية!
خفض عينيه لحظة، ثم تابع:
— بقيت أيامًا طويلة أنتظر تحت منزلك، لعلّك تخرجين وتخبرينني شيئًا، إلى أن هجرتُ هذه القرية في ليلة من ليالي أكتوبر… فصلنا المفضل.
ابتسم ابتسامة موجوعة، وقال:
— لم أرغب في العودة أبدًا، لكن الشوق والحنين فاضا في قلبي، وكادا يقتلاني. فلم أجد سبيلًا للنجاة سوى العودة إليكِ.
لم أستطع التحمل أكثر.
حاولت أن أشغل نفسي عنه، وألا أسمع كلماته المؤلمة، لكن يدي ارتجفت، فسقط فنجان الشاي من يدي، وتبعثرت قطعه على الأرض، كما تبعثر قلبي قبله من شدة الشوق.
كانت يداي ترتجفان بقوة. لم أستطع الكلام. خانتني العبرة والكلمات، وشعرت وكأن حبالي الصوتية تتمزق من الألم.
كيف أخبره بما أخفيته عنه طوال تلك السنوات؟
كيف أخبره بما حدث لي؟
كيف أخبره أن الظلم جاءني من عائلته، وأنهم أجبروني على تركه ليتزوج ابنة عمه؟
كانت عائلتهم من أغنى العائلات في قريتنا، وكانوا ينبذون زواج الغرباء. لم يكونوا يحبون أن يدخل إلى عائلتهم أحد من خارجها، وكانوا يرون أن الزواج يجب أن يبقى بينهم وبين أبناء العائلة.
لم أستطع أن أنطق.
حاولت جاهدة، لكن الكلمات لم تخرج.
ظل يحدق بي لعدة دقائق، ثم ضرب بيده على المنضدة وصرخ:
— أحتاج إلى تفسير منطقي! أحتاج أن تشرحي لي لماذا فعلتِ هذا بي!
شعرت وكأن قلبي توقف.
نهضت وخرجت أركض من المقهى، فتبعني وهو يصرخ:
— توقفي! توقفي! لن أترككِ اليوم حتى أعرف السبب الذي جعلني لا أتنعم بحياتي طوال تلك السنوات!
كان صوته يرتجف من الألم أكثر مما يرتجف من الغضب.
— لماذا لم أنسكِ يومًا؟ هل أنتِ لعنة حلّت عليّ؟ دعوت الله كثيرًا أن أنساكِ، لكنني لا أدري… هل أنتِ دعوة خير أم دعوة شر؟
ثم صمت لحظة، وقال بصوت خافت:
— كيف أنساكِ وأنا الذي عشقتكِ منذ طفولتنا؟ منذ كنتِ تعجزين عن رفع حقيبتك الصغيرة، وكنتُ أركض خلفكِ لأحملها عنكِ؟
توقفت خطواتي.
لم أنسه أنا أيضًا.
لم أنسَ لحظة واحدة منه.
كان حب طفولتي، وأجمل ما خبأه لي ذلك العمر.
لكنني لم أتحمل أكثر.
خارت قواي، فجثوت على ركبتيّ أبكي بنحيب مؤلم.
توقف أمامي، وظل ينظر إليّ لثوانٍ.
ثم جثا على ركبتيه بجانبي، وأمسك يدي، وبدأ يتوسل إليّ كطفل صغير يريد أن يعرف الحقيقة.
عندها لم يعد في قلبي متسع للمزيد من الألم.
أخبرته بكل شيء.
أخبرته عن عائلته، وعن تهديداتهم، وعن الأيام التي قضيتها وأنا أحاول أن أقاومهم، وعن اللحظة التي أجبروني فيها على الاختفاء من حياته دون أن أترك له تفسيرًا واحدًا.
وحين انتهيت، انهارت قواه.
وضع يديه على وجهه، وبدأ يبكي كطفل صغير فقد والدته للتو.
مرّت عدة دقائق لم نسمع خلالها سوى صوت المطر.
ثم قال من بين دموعه:
— لقد كان والدي ظالمًا. لم يكن يفكر إلا بنفسه وبمكانته في المجتمع. هجرت عائلتي منذ سنوات. حاولوا إجباري على الزواج من ابنة عمي، لكنني رفضت.
مسح دموعه بيده، وتابع:
— فما كان من والدي إلا أن شتمني وصرخ في وجهي، وهددني بأنني سأخسر كل شيء، خوفًا من أن تذهب ثروة عمي إلى شخص غريب. لكنه لم يستطع إجباري. رفضت الزواج، وجمعت أغراضي ورحلت، كما أخبرتكِ.
ابتلع غصته وقال:
— تبرأ مني والدي وحرمني من الميراث، لكنني لم أبالِ.
نظر إليّ طويلًا.
— عدت بعد عامين من الهجران. حاولت أن أصلح علاقتي بوالدي، فلم أكن أريد أن يبقى متبرئًا مني. لكنه طردني، وقال إنه لا يريد رؤيتي في منزله مرة أخرى.
خفض رأسه وقال:
— أقسمت بعدها ألا أعود إليهم مهما حدث.
ثم رفع عينيه نحوي، وقال:
— وها أنا هنا، بقربك، بعد كل تلك السنوات.
سكت طويلًا، ثم قال بصوت مكسور:
— لكنني لم أفكر للحظة أن والدي كان له يد في هجرك لي.
ارتجف صوته:
— لماذا لم تخبريني وقتها؟
لم أجب.
اقترب مني أكثر، وقال:
— لماذا جعلتِني أحمل في قلبي كل هذه القسوة؟ لماذا جعلتِني أعتقد أنكِ قاسية وأنانية، لا تفكرين إلا بنفسك، في الوقت الذي كنتِ فيه تتجرعين ألم الفراق مثلي؟
نظرت إليه، ولم أجد ما أقوله.
كانت ثلاثة أعوام كاملة تقف بيننا.
ثلاثة أعوام من سوء الفهم، والانتظار، والاشتياق، والليالي التي ظن كل واحد منا فيها أن الآخر اختار الرحيل.
مد يده إليّ.
ترددتُ للحظة، ثم وضعت يدي في يده.
كانت السماء تمطر من جديد.
نظرنا إلى بعضنا طويلًا، وكأننا نحاول أن نستعيد من أعين بعضنا السنوات التي سُرقت منا.
وفي تلك اللحظة، أدركت أن أكتوبر لم يكن شهر الفراق كما ظننت طوال تلك السنوات…
بل كان الشهر الذي أعادني إليه.
فبعض القصص قد يسرق منها الزمن أعوامًا، وقد يضع بين أصحابها ألف حاجز، لكن الحب الحقيقي لا يموت حين يفترق اثنان…
بل يبقى صامتًا في القلب، ينتظر أكتوبر آخر، ولقاءً واحدًا، ليخبرنا أن ما كان حبًا حقيقيًا لم يرحل يومًا.
This article reflects the views of its author and not necessarily those of Fehres Publishing.

Comments
No comments yet.
Comment from the Fehres app.