أشياء ورثتها المرأة عن أمها دون أن تنتبه.. عادات تسكنها قبل أن تعرف أسماءها

لم ترث المرأة من أمها ملامح وجهها أو نبرة صوتها فقط، بل ربما ورثت طريقة اعتذارها، وخوفها من الخطأ، وشعورها بالذنب حين ترفض طلبًا، وحتى الكلمات التي تقولها لنفسها عندما تفشل.
قد تكبر الفتاة وتصبح امرأة مستقلة، لها بيتها وعملها وأفكارها الخاصة، ثم تكتشف يومًا أنها تتصرف بالطريقة نفسها التي كانت تستغربها في أمها. ترفع صوتها عندما تغضب، وتخفي حزنها حتى لا تقلق الآخرين، وتتحمل أكثر مما تستطيع لأنها تعتقد أن هذه هي مسؤولية المرأة الجيدة.
وهنا يظهر سؤال يستحق التأمل: هل نختار جميع عاداتنا فعلًا، أم أن بعضها يستقر في داخلنا قبل أن نمتلك القدرة على فهمه؟
أولًا: قد ترثين خوف أمكِ من الخطأ دون أن ترثي قصتها
تخيلي فتاة نشأت في بيت كان الخطأ فيه سببًا للوم المستمر. إذا حصلت على درجة أقل مما توقعه أهلها، سمعت كلمات تقلل من إنجازها. وإذا حاولت تجربة شيء جديد وفشلت، وجدت من يذكرها بفشلها بدلًا من مساعدتها على التعلم.
قد تكبر هذه الفتاة وهي تراجع كل قرار مرات عديدة، وتخشى تجربة الفرص الجديدة، وتؤجل خطوات مهمة لأنها تريد ضمان النجاح قبل أن تبدأ.
وقد تكون أمها نفسها قد نشأت في ظروف مشابهة، فتعلمت أن الحذر الشديد يحمي الإنسان من الانتقاد أو الخيبة، ثم نقلت هذا الأسلوب إلى ابنتها بدافع الخوف عليها.
لكن المشكلة أن الحماية الزائدة قد تجعل الخطأ يبدو كارثة، مع أنه جزء طبيعي من التعلم.
كيف تكسرين هذه الدائرة؟
عندما تخافين من تجربة جديدة، اسألي نفسكِ: هل الخطر حقيقي، أم أنني أخشى اللوم إذا لم أنجح؟ ثم اختاري تجربة صغيرة يمكن تحمل نتيجتها، مثل تعلم مهارة جديدة أو التقدم إلى فرصة كنتِ تؤجلينها.
بدلًا من مطالبة نفسكِ بالنجاح من المحاولة الأولى، اجعلي هدفكِ أن تتعلمي شيئًا من المحاولة. بهذه الطريقة، لا تنكرين مخاوفكِ، بل تمنعينها من التحكم في كل قراراتكِ.
ثانيًا: ربما تعلمتِ من أمكِ أن الحب يعني التضحية الدائمة
قد ترى الفتاة أمها تؤجل احتياجاتها باستمرار من أجل الأسرة. تتناول طعامها بعد الجميع، وتؤجل راحتها عندما يتعب أحد، وتعتذر عن شراء شيء تحتاج إليه حتى لا تزيد الأعباء المالية.
هذه التصرفات قد تكون تعبيرًا حقيقيًا عن الحب والمسؤولية، وقد تكون أيضًا نتيجة ظروف صعبة لم تكن أمام الأم خيارات كثيرة لتغييرها.
لكن الفتاة قد تستخلص من المشهد رسالة مختلفة دون أن يقصد أحد تعليمها إياها: المرأة الجيدة هي التي تتحمل كل شيء، ولا تطلب شيئًا لنفسها.
وعندما تكبر، قد تشعر بالذنب إذا أخذت وقتًا للراحة، أو أنفقت على احتياج شخصي، أو طلبت من شريكها أن يشاركها المسؤوليات.
وقد تستمر في العطاء حتى تصل إلى الإرهاق، ثم تغضب من الآخرين لأنهم لا يلاحظون تعبها، رغم أنها لم تخبرهم دائمًا بما تحتاج إليه.
كيف تحتفظين بالحب دون أن تكرري الاستنزاف؟
تذكري أن التضحية التي تختارينها في موقف معين تختلف عن التضحية التي تشعرين بأنكِ مجبرة عليها طوال الوقت.
ابدئي بتحديد احتياجاتكِ الأساسية، مثل النوم والراحة والصحة والوقت الشخصي، ثم تعاملي معها باعتبارها جزءًا من مسؤولياتكِ تجاه نفسكِ.
وإذا كنتِ تتحملين معظم أعباء المنزل، فبدلًا من انتظار أن يلاحظ الآخرون تعبكِ، اطلبي توزيع المهام بصورة واضحة وعادلة.
يمكنكِ أن تحبي أسرتكِ بصدق، وأن تظلي في الوقت نفسه إنسانة لها حدود واحتياجات.
ثالثًا: هل ورثتِ صمت أمكِ عندما تتألم؟
في بعض البيوت، لا يُسمح للحزن بأن يظهر بسهولة. قد تسمع الفتاة عبارات مثل: «كبري دماغكِ»، أو «لا داعي للبكاء»، أو «تحملي، فكل الناس لديها مشكلات».
وقد تكون هذه الكلمات محاولة من الأم لتقوية ابنتها، خصوصًا إذا كانت هي نفسها قد عاشت في ظروف لم تجد فيها من يحتوي مشاعرها.
لكن الفتاة قد تتعلم تدريجيًا أن التعبير عن الحزن ضعف، وأن طلب المساعدة عبء على الآخرين، وأن عليها أن تبدو قوية حتى عندما تكون منهكة.
وعندما تكبر، قد تجد صعوبة في شرح ما يزعجها، فتقول إنها بخير بينما تتراكم داخلها مشاعر لا تعرف كيف تتعامل معها.
كيف تتعلمين لغة جديدة لمشاعركِ؟
ابدئي بتسمية الشعور بدلًا من إنكاره. قولي لنفسكِ: أنا غاضبة، أو أشعر بخيبة أمل، أو أشعر بالوحدة. تسمية المشاعر لا تحل كل المشكلات، لكنها تساعدكِ على فهم ما يحدث داخلكِ.
ثم اختاري شخصًا آمنًا يمكنكِ الحديث معه دون خوف من السخرية أو التقليل من شأنكِ.
ولا تجبري نفسكِ على سرد كل شيء دفعة واحدة. يكفي أن تبدئي بجملة بسيطة مثل: «أنا أمر بفترة صعبة، وأحتاج إلى من يسمعني دون أن يحكم عليّ».
القوة لا تعني ألا تحزني، بل أن تعرفي كيف تتعاملين مع حزنكِ بدلًا من دفنه باستمرار.
رابعًا: قد ترثين من أمكِ الكلمات التي تستخدمينها ضد نفسكِ
توجد عبارات تبدو عادية لأنها تكررت طويلًا في طفولتنا، لكنها قد تتحول إلى صوت داخلي يصاحبنا في الكبر.
إذا سمعت الفتاة باستمرار أنها مهملة، أو غير كافية، أو أقل من غيرها، فقد تبدأ في تكرار هذه الأحكام داخل عقلها حتى عندما لا يكون أحد موجودًا لانتقادها.
وعندما ترتكب خطأ بسيطًا، لا تقول: «لقد أخطأت وسأحاول إصلاح الأمر»، بل تقول: «أنا فاشلة، ولا أجيد فعل أي شيء».
وهناك فرق كبير بين تقييم التصرف والحكم على الشخصية كلها. الخطأ قد يكون حقيقيًا، لكن تحويله إلى دليل على انعدام القيمة يزيد الألم ولا يساعد على الإصلاح.
كيف تغيرين هذا الصوت الداخلي؟
في المرة القادمة التي تنتقدين فيها نفسكِ، اكتبي الجملة التي قلتِها، ثم أعيدي صياغتها بطريقة أكثر عدلًا.
بدلًا من «أنا لا أنجح في أي شيء»، قولي: «لم أنجح في هذه المحاولة، ويمكنني أن أتعلم من أسبابها».
وبدلًا من «أنا ضعيفة لأنني حزنت»، قولي: «أنا متأثرة بما حدث، وأحتاج إلى وقت للتعامل معه».
ليس المطلوب أن تمدحي نفسكِ طوال الوقت أو تتجاهلي أخطاءكِ، بل أن تتحدثي مع نفسكِ بالإنصاف نفسه الذي تحاولين تقديمه لمن تحبين.
خامسًا: قد تنتقل إليكِ مخاوف لم تختبري أسبابها بنفسكِ
ربما كانت أمكِ تخشى السفر وحدها، أو تخاف من تجربة مهنة جديدة، أو ترى أن الاستقلال المالي قد يجلب المشكلات.
قد تكون مخاوفها مرتبطة بتجارب حقيقية عاشتها، أو بظروف اجتماعية واقتصادية مختلفة عن ظروفكِ الحالية.
لكن إذا انتقلت هذه المخاوف إليكِ دون مناقشة، فقد تتعاملين معها باعتبارها حقائق ثابتة، حتى لو تغيرت الظروف التي نشأت فيها.
وهنا يجب أن نفرق بين احترام تجربة الأم وبين اعتبار كل استنتاج وصلت إليه مناسبًا لحياتنا.
كيف تميزين بين الحكمة والخوف الموروث؟
عندما تسمعين نصيحة تشعركِ بالخوف من خطوة جديدة، اسألي عن السبب وراءها. هل تستند إلى خطر واضح يمكن التحقق منه؟ أم أنها نابعة من تجربة قديمة لا تشبه ظروفكِ تمامًا؟
اجمعي المعلومات، ووازني المخاطر، واستشيري أشخاصًا موثوقين لديهم خبرة في الأمر، ثم اتخذي قراركِ وفق ظروفكِ أنتِ.
فليس من الحكمة أن ترفضي كل ما تعلمتِه من أمكِ، كما ليس من الحكمة أن تعتبري كل ما ورثتِه عنها قاعدة لا يجوز تغييرها.
سادسًا: لماذا نكرر أحيانًا ما كنا نرفضه في طفولتنا؟
قد تقول امرأة إنها لن تصرخ في أطفالها كما كانت أمها تصرخ فيها، ثم تجد نفسها ترفع صوتها في لحظة غضب.
وقد تتعهد بألا تقارن أبناءها بغيرهم، ثم تخرج منها مقارنة تلقائية عندما تشعر بالقلق على مستقبلهم.
هذا لا يعني أنها أصبحت نسخة مطابقة من أمها، ولا يعني أنها لا تحب أبناءها. أحيانًا نلجأ تحت الضغط إلى أساليب مألوفة تعلمناها مبكرًا، خصوصًا عندما لا نمتلك بدائل واضحة أو نكون مرهقين.
لكن فهم السبب لا يعني تبرير الأذى.
إذا لاحظتِ أنكِ تكررين سلوكًا لا تريدينه، فابدئي بمراقبة اللحظة التي يسبق فيها هذا السلوك: هل يحدث عندما تكونين متعبة؟ عندما تشعرين بأن أحدًا لا يسمعكِ؟ أم عندما تخافين على شخص تحبينه؟
بعد ذلك، اختاري بديلًا محددًا. إذا كنتِ ترفعين صوتكِ عندما يتأخر طفلكِ في تنفيذ طلب، فجرّبي الاقتراب منه، والتحدث بجملة قصيرة وواضحة، ومنحه فرصة للاستجابة.
وإذا أخطأتِ في حقه، فاعتذري بوضوح، دون أن تحمليه مسؤولية غضبكِ. الاعتذار لا ينتقص من مكانتكِ كأم، بل يعلّم الطفل أن العلاقات يمكن إصلاحها بعد الخطأ.
سابعًا: كيف تحتفظين بأجمل ما في أمكِ وتتوقفين عما يؤذيكِ؟
ليس الهدف من اكتشاف الأنماط الموروثة أن تنظري إلى أمكِ باعتبارها سبب مشكلاتكِ كلها. فالأم إنسانة لها ظروفها ومخاوفها وتجاربها، وربما قدمت أفضل ما استطاعت تقديمه بما توفر لها من معرفة وإمكانات.
وقد تكونين ورثتِ عنها أشياء تستحق الامتنان: الصبر، والكرم، والقدرة على مواجهة الصعوبات، والوفاء، والاهتمام بالآخرين.
وفي الوقت نفسه، يحق لكِ أن تتعلمي طرقًا مختلفة للتعبير عن الغضب، أو وضع الحدود، أو التعامل مع الفشل، أو اتخاذ القرارات.
يمكنكِ أن تحبي أمكِ دون أن تكرري جميع اختياراتها، وأن تقدري تضحياتها دون أن تعتبري استنزاف نفسكِ شرطًا للوفاء لها.
ولتحويل هذه الفكرة إلى خطوة عملية، خصصي ورقة واكتبي فيها ثلاثة أسئلة:
- ما الصفة التي أحببتها في أمي وأريد أن تستمر في حياتي؟
- ما السلوك الذي تعلمته منها وأشعر أنه يسبب لي مشكلة؟
- ما البديل الذي أستطيع التدرب عليه هذا الأسبوع؟
اختاري سلوكًا واحدًا فقط، وراقبي تقدمكِ دون انتظار تغيير كامل في أيام قليلة. فالعادات التي تشكلت عبر سنوات تحتاج غالبًا إلى وقت وممارسة حتى تتغير.
وإذا كانت بعض التجارب القديمة تؤثر بشدة في علاقاتكِ أو تسبب لكِ ضيقًا مستمرًا، فقد يساعدكِ الحديث مع مختص نفسي على فهمها والتعامل معها بطريقة مناسبة.
في النهاية: لستِ مطالبة بأن تبدئي من الصفر
ربما تحملين في داخلكِ كلمات قالتها أمكِ منذ سنوات، أو مخاوف تعلمتِها من طريقة تعاملها مع الحياة، أو أساليب في الحب والتضحية لم تختاريها بوعي.
لكن ما تعلمتِه في الماضي ليس بالضرورة ما يجب أن يستمر في المستقبل.
لا تحتاجين إلى محو أثر أمكِ حتى تصبحي نفسكِ، ولا إلى إنكار فضلها حتى تختاري طريقًا مختلفًا. يمكنكِ أن تحتفظي بما منحكِ القوة، وأن تتوقفي عن تكرار ما يسلبكِ راحتكِ، وأن تبني أسلوبًا يناسب حياتكِ وقيمكِ.
فأجمل ما يمكن أن ينتقل من أم إلى ابنتها ليس تكرار الحياة نفسها بكل تفاصيلها، بل القدرة على التعلم منها.
أحبي أمكِ، وافهمي قصتها، وقدّري ما قدمته لكِ، لكن تذكري أن لكِ أيضًا قصة تستحق أن تُكتب بطريقة مختلفة..
This article reflects the views of its author and not necessarily those of Fehres Publishing.





Comments
No comments yet.
Comment from the Fehres app.